عبد الرحمن بن ناصر السعدي
702
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
دار البوار ، يقال : * ( وقفوهم ) * قبل أن توصلوهم إلى جهنم * ( إنهم مسؤولون ) * عما كانوا يفترونه في الدنيا ، ليظهر على رؤوس الأشهاد كذبهم وفضيحتهم . فيقال لهم : * ( مالكم لا تناصرون ) * أي : ما الذي جرى عليكم اليوم ؟ وما الذي طرقكم حتى لا ينصر بعضكم بعضا ، ولا يغيث بعكم بعضا ، بعدما كنتم تزعمون في الدنيا ، أن آلهتكم ستدفع عنكم العذاب ، وتغيثكم ، أو تشفع لكم عند الله . فكأنهم لا يجيبون على هذا السؤال ، لأنهم قد علاهم الذل والصغار ، واستسلموا لعذاب النار ، وخشعوا وخضعوا ، وأبلسوا ، فلم ينطقوا . ولهذا قال : * ( بل هم اليوم مستسلمون ) * ( أي : منقادون أذلاء ، فكلهم مستسلم غير منتصر ) . * ( وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إل ه إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون * بل جاء بالحق وصدق المرسلين * إنكم لذآئقو العذاب الأليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) * لما جمعوا هم وأزواجهم وآلهتهم ، وهدوا إلى صراط الجحيم ، ووقفوا ، فسئلوا ، فلم يجيبوا ، أقبلوا فيما بينهم ، يلزم بعضهم بعضا ، على إضلالهم وضلالهم . فقال الأتباع للمتبوعين الرؤساء : * ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) * أي : بالقوة والغلبة ، فتضلونا ، ولولا أنتم لكنا مؤمنين . * ( قالوا ) * لهم * ( بل لم تكونوا مؤمنين ) * أي : ما زلتم مشركين ، كما نحن مشركون . فأي شيء فضلكم علينا ؟ وأي شيء يوجب لومنا * ( و ) * الحال أنه * ( ما كان لنا عليكم من سلطان ) * أي : قهر لكم على اختيار الكفر * ( بل كنتم قوما طاغين ) * متجاوزين للحق . * ( فحق علينا ) * ( فلزمنا جميعا ) نحن وإياكم * ( قول ربنا إنا لذائقون ) * العذاب . أي : حق علينا قدر ربنا ، وقضاؤه ، إنا وإياكم سنذوق العذاب ، ونشترك في العقاب . * ( ف ) * لذلك * ( أغويناكم إنا كنا غاوين ) * أي : دعوناكم إلى طريقتنا التي نحن عليها ، وهي الغواية ، فاستجبتم لنا ، فلا تلومونا ، ولوموا أنفسكم . قال تعالى ؛ * ( فإنهم يؤمئذ ) * أي : يوم القيامة * ( في العذاب مشتركون ) * وإن تفاوتت مقادير عذابهم ، بحسب جرمهم . كما اشتركوا في الدنيا على الكفر ، اشتركوا في الآخرة بجزائه ، ولهذا قال : * ( إنا كذلك نفعل بالمجرمين ) * . ثم ذكر أن إجرامهم ، قد بلغ الغاية وجاوز النهاية فقال : * ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ) * فدعوا إليها ، وأمروا بترك إلهية ما سواه * ( يستكبرون ) * عنها ، وعلى من جاء بها . * ( ويقولون ) * معارضة لها * ( أإنا لتاركو آلهتنا ) * التي لم نزل نعبدها ، نحن وآباؤنا * ( ل ) * قول * ( شاعر مجنون ) * يعنون : محمدا صلى الله عليه وسلم . فلم يكفهم قبحهم الله ، الإعراض عنه ، ولا مجرد تكذيبه ، حتى حكموا عليها بأظلم الأحكام ، وجعلوه شاعرا مجنونا ، وهم يعلمون ، أنه لا يعرف الشعر والشعراء ، ولا وصفه وصفهم ، وأنه أعقل خلق الله ، وأعظمهم رأيا . ولهذا قال تعالى ، ناقضا لقولهم : * ( بل جاء ) * محمد * ( بالحق ) * أي : مجيئه حق ، وما جاء به من الشرع والكتاب حق . * ( وصدق المرسلين ) * أي : ومجيئه صدق المرسلين ، فلولا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين ، فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله ، لأنهم أخبروا به وبشروا ، وأخذ الله عليهم العهد والميثاق ، لئن جاءهم ، ليؤمنن به ولينصرنه ، وأخذوا ذلك على أممهم . فلما جاء ، ظهر صدق الرسل الذين قبله ، وتبين كذب من خالفهم . فلو قدر عدم مجيئه ، وهم قد أخبروا به ، لكان ذلك قادحا في صدقهم . وصدق أيضا المرسلين ، بأن جاء بما جاءوا به ، ودعا إلى ما دعوا إليه ، وآمن بهم ، وأخبر بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم . ولما كان قولهم السابق : * ( إنا لذائقون ) * قولا صادرا منهم ، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره ، أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين ، وهو الخبر الصادق منه تعالى فقال : * ( إنكم لذائقوا العذاب الأليم ) * أي : المؤلم الموجع * ( وما تجزون ) * في إذاقة العذاب الأليم * ( إلا ما كنتم تعملون ) * فلم نظلمكم ، وإنما عدلنا فيكم ؟ ولما كان هذا الخطاب ، لفظه عاما ، والمراد به : المشركون ، استثنى تعالى المؤمنين فقال : * ( إلا عباد الله المخلصين ) * إلى * ( مكنون ) * . * ( إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنات النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها